الشنقيطي
198
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فجوابه ب « نعم » لا ب « بلى » وجواب الاستفهام المقترن بنفي و « نعم » مسموع غير قياسي ؛ كقوله : أليس الليل يجمع أم عمرو * وإيانا فذاك لنا تداني نعم ، وتر الهلال كما أراه * ويعلوها النهار كما علاني فالمحل ل « بلى » لا ل « نعم » في هذا البيت . فإن قيل : هذه الآيات تدل على أن الكفار يكتمون يوم القيامة ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي ، كقوله عنهم : وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ ( 23 ) [ الأنعام : 23 ] ، وقوله : ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ، ونحو ذلك . مع أن اللّه صرح بأنهم لا يكتمون حديثا في قوله : وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ( 42 ) [ النساء : 42 ] . فالجواب - هو ما قدمنا من أنهم يقولون بألسنتهم : واللّه ربنا ما كنا مشركين ؛ فيختم اللّه على أفواههم ؛ وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون . فالكتم باعتبار النطق بالجحود وبالألسنة . وعدم الكتم باعتبار شهادة أعضائهم عليهم . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ [ 29 ] الآية . لم يبين هنا عدد أبوابها ، ولكنه بين ذلك في « سورة الحجر » في قوله جل وعلا : لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ( 44 ) [ الحجر : 44 ] ، أرجو اللّه أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها ومن جميع أبوابها ! إنه رحيم كريم . قوله تعالى : وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً [ 30 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن المتقين إذا سئلوا عما أنزل اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم قالوا : أنزل عليه خيرا ؛ أيّ رحمة وهد وبركة لمن اتبعه وآمن به . ويفهم من صفة أهل هذا الجواب بكونهم متقين - أن غير المتقين يجيبون جوابا غير هذا . وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في قوله عن غير المتقين وهم الكفار : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 24 ) [ النحل : 24 ] كما تقدم . قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ [ 30 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن من أحسن عمله في هذه الدار التي هي الدنيا كان له عند اللّه الجزاء الحسن في الآخرة . وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة ؛ كقوله : * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ [ يونس : 26 ] الآية . والحسنى : الجنة . والزيادة : النظر إلى وجه اللّه الكريم . وقوله : وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ( 31 ) [ النجم : 31 ] ، وقوله : هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ ( 60 ) [ الرحمن : 55 ] .